الحمل في زمن كورونا

تواجه المرأة الحامل قلقا مضاعفا في ظل تفشي فيروس كورونا المستجد، حيث أقفلت العديد من العيادات الطبية أبوابها احترازا من انتشار فيروس كورونا، كما أن بعض الأطباء قاموا بإلغاء المواعيد وتقديم الوصفات الطبية عن بعد، والاكتفاء باستقبال الحالات المستعجلة فقط .

الأكثر من ذلك، يساهم حظر التجول والحجر الصحي والخوف من الإصابة بالعدوى، في زيادة عوامل تعرض المرأة الحامل لأعباء نفسية وجسدية يعصب التغلب عليها، وقد تكون عواقبها وخيمة وفق ما أكده بعض الخبراء.

فرحة مخطوفة “لم يبق إلا شهرا على ولادتي وأزمة كورونا لم تنته بعد، حقا أشعر بخوف شديد”، تحكي أحلام وهي ربة بيت، وأم لطفلين عن معاناتها مع الحمل في هذه الظرفية الاستثنائية التي يعيشها المغرب، وتابعت بصوت متحسر “كنت أتمنى أن أكون محاطة بعائلتي خلال هذه الفترة، خاصة والدتي التي كانت متحمسة جدا لاستقبال المولود الجديد، لكن كورونا سلبت منا هذه الفرحة”. وتشرح أحلام في حديثها لجريدة “العمق” أنه منذ إعلان المغرب حالة الطوارئ الصحية وهي تعاني من مخاوف مزدوجة، فمن جهة تخشى إصابتها بالفيروس ومن احتمالية انتقاله إلى الجنين، ومن جهة أخرى تفكر في لحظة دخولها إلى قاعة العمليات بمفردها مرتدية الكمامة وهو أمر يجعلها تشعر بإحباط، على حد تعبيرها. وأردفت “ليست المرة الأولى التي أختبر فيها تجربة الحمل والأمومة، لكن اليوم مع كورونا أصبح الوضع مختلفا ويدعوا إلى القلق أكثر”. وأكدت أحلام أنها تخشى وضع مولودها الثالث في غياب والده وأسرتها، مضيفة “في الولادتين السابقتين، كنت أشعر بالكثير من الهدوء والاستعداد، لكنني اليوم أجد نفسي وحيدة وغير مستعدة للولادة”. وأشارت إلى أن الخروج من المنزل أصبح يشكل خطرا على حياتها هي والجنين، لذلك تفضل تواكب الحمل مع طبيبتها عن بعد، عن طريق الاتصالات الهاتفية وعبر تطبيق “واتساب” . وأعربت أحلام عن خيبة أمل كبيرة بقولها “فجأة أفسد فيروس كورونا كل مخططاتي لهذه المناسبة المميزة، كنت أود تجهيز غرفة الطفل واقتناء بعض المستلزمات، لكنني لم أتمكن من ذلك خوفا من الإصابة بالعدوى”. لتختم حديثها بنبرة متفائلة “الحمد لله على كل حال، ليس لدينا خيار سوى الالتزام بالإجراءات الوقائية، وبالتباعد الاجتماعي من أجل لحفاظ على أرواحنا، وكل ما أتمناه هو أن ينتهي هذا الوباء قبل موعد ولادتي”. وبالنسبة لهبة وهي ربة بيت كذلك، لم تتمكن من الذهاب إلى الطبيبة الخاصة بها منذ الشهر الثالث للحمل الذي تزامن مع انتشار الفيروس، رغم أنها تعاني من مشاكل صحية، وأرجعت سبب امتناعها عن مواصلة عيادة طبيبها إلى الخوف من الإصابة بالفيروس، وقالت “إنه طفلي الأول ولست مستعدة لفقدانه، لذلك قررت التواصل مع الطبيبة هاتفيا وعدم الخروج من المنزل إلى غاية انتهاء هذا الوباء”. وتوضح هبة أنها تعيش حالة من الهلع والقلق تزداد يوما بعد يوم، في ظل غياب زوجها الذي ظل عالقا في الديار الإيطالية، بسبب تفشي فيروس كورونا. وتتابع شرحها “هذه تجربتي الأولى مع الحمل، والمفروض أن هذه الشهور هي الأكثر سعادة في حياتي، لكن الوباء خطف مني هذه الفرحة واستبدلها بالإرهاب المطلق”. هبة التي بدت حزينة، عبرت عن خوفها من أن يأتيها المخاض قبل القضاء نهائيا على الوباء، وعبرت عن عدم رغبتها في الولادة في “هذه الظروف الاستثنائية”، “ومجرد التفكير في الأمر يجعلني أحس بالإحباط والحزن”، تقول هبة. وتؤكد أن الجلوس في المنزل ضاعف من حدة قلقها وتوترها، لافتة إلى أنها لم لا تعد قادرة على تحمل أسابيع أخرى من الحجر الصحي، لأن الوضع أصبح فوق طاقتها، على حد تعبيرها، مشددة على أن خوفها لم يعد مرتبطا بألم الولادة فقط، بل في كيفية اعتنائها بمولودها في ظل غياب الزوج وباقي أفراد أسرتها وأصدقائها. وخلصت هبة إلى أن المعين الوحيد لها في هذا الوضع هو “أن أقنع نفسي بفكرة أن هذه أزمة ستنتهي قبل موعد ولادتي، وأتمنى أن يكون كل شيء تحت السيطرة إلى ذلك الوقت”، حسب تعبيرها. خطر محصور يبدو أن الأرقام المتعلقة بإصابة الحوامل بفيروس كورونا بالمغرب، غير مقلقة إلى حدود اليوم، وهي الملاحظة التي أبداها الطبيب الأخصائي في أمراض النساء والتوليد بمستشفى السويسي بالرباط، خالد فتحي، مشيرا إلى أن “عدد الحوامل المغربيات اللواتي أصبن بفيروس كورونا ضئيل حيث بلغ 31 إصابة، فالحالات الموجودة خفيفة ونادرا ما تكون متوسطة، إلى جانب أنه لم يتم تسجيل أي حالة وفاة”. ويضيف فتحي في حديثه مع الجريدة “وكما هو معلوم أن الحمل يتضمن تغيرات جسدية ونفسية ومزاجية وأيضا مناعية، تجعل المرأة الحامل معرضة نظريا لخطر الإصابة بالتعفنات التنفسية كفيروس كورونا، فهناك هشاشة مناعية لدى الحامل شبيهة بالمناعة المنخفضة لأصحاب الأمراض المزمنة، ويرجع السبب في ذلك إلى استقبال جسدها للجنين الذي يعد جسما غريبا عنها”. وحول إمكانية انتقال الفيروس إلى الجنين يتابع “معلوماتنا قليلة بهذا الشأن لكنها مطمئنة، فالفيروس ينتقل بالعدوى من خلال الاحتكاك المباشر بالأشياء أو الأسطح الموبوءة أو رذاذ المريض، ولحدود هذه الأيام، كان هناك اتفاق على أنه لا توجد دلائل بأن الحامل تنقل كورونا للجنين سواء خلال الحمل عبر المشيمة أو أثناء الولادة عبر السبيل التوالدي أو بعد الولادة عبر الرضاعة”. وشدد فتحي على أن التوترات النفسية التي تعيشها الحوامل خلال هذه الظرفية تنعكس على صحة الجنين، وعلى العلاقة الأولى التي تجمع بينه وبين أمه المتمثلة في الرضاعةّ الطبيعية، الأمر الذي قد يؤثر لاحقا على صحته النفسية. وأضاف “هناك الكثير من العوامل والأسباب التي تتداخل فيما بينها، كإحجام المرأة الحامل عن الوضع في المستشفى نظرا لعدم توفر الأطباء وغياب وسائل التنقل، أو لخوفها من الولادة في المستشفى لكونه مكان غير آمن حسب اعتقادها، مما يؤذي إلى ولادات بالمنزل وهنا يمكن حدوث مضاعفات خطيرة للمرأة والجنين، وقد سجل هذا بعدة دول أوروبية، لكن في المغرب لم نعان من هذا المشكل لأن خدمات مصالح الولادة بقيت مستمرة وتعمل بنفس الوتيرة المألوفة”. ويختم حديثه قائلا “في غياب لقاح ضد كورونا، يبقى الاحتياط واجبا أكثر بالنسبة للحوامل من خلال الالتزام بالإجراءات الاحترازية، من قبيل غسل اليدين بانتظام بالماء والصابون أو مطهر كحولي، والابتعاد عن الجميع تفاديا للإصابة سواء خلال الحجر الصحي أو بعده، إضافة إلى تنجب الزيارات العائلية، فالحامل قد تصاب خلال أي مرحلة، لأن فيروس كورونا لا يفرق بين الحوامل وغيرهن”. نفسية الحامل البروفيسور عبد الإله هلالي أخصائي نفسي، يقول في تصريحه للجريدة ، “إن الحمل يصاحبه الكثير من التغيرات الجسدية والنفسية التي يمكن أن تؤثر على نفسية المرأة الحامل، وهو رد فعل طبيعي لأن الجسم خلال هذه الفترة يتهيأ لاستقبال الجنين”. مضيفا أن فيروس كورونا زاد الطين بلة، حيث أصبحت مخاوف المرأة الحامل مضاعفة في ظل تفشي فيروس كورونا، الأمر الذي قد يزيد من حدة اضطراباتها النفسية ويجعلها معرضة أكثر للاكتئاب والإحباط والوسواس، وكذا بعض التغيرات الأخرى. ويوضح هلالي أن المشكل الأساسي ليس في الفيروس المادي الذي لديه وجود كيميائي، بل في النفسي الذي يعد أكثر انتشارا حول العالم حسب بعض الإحصائيات، ويتابع “العدوى النفسية أسرع من العدوى المادية، فهذه الأخيرة يمكن حصرها عن طريق الحجر الصحي والتوعية، ومن خلال التزام بالإجراءات الوقائية، لكن لا يمكننا تطبيق نفس الأمر مع العدوى النفسية”. ويشرح أن المرأة الحامل التي تلد في هذه الظروف الاستثنائية، وفي ظل غياب عائلتها وأصدقائها وزوجها أحيانا، إضافة إلى الاضطرابات النفسية التي مرت بها خلال فترة الحمل، فهي عوامل قد تجعلها معرضة للإصابة بالاكتئاب ما بعد الولادة. ويؤكد أن شعور الأم بالتوتر والقلق المستمر وبشكل مزمن خلال فترة الحمل يؤثر على صحة الجنين، إذ أنه يتأثر بكل ما تأكله أو تشربه المرأة الحامل، وبتالي فهو يتفاعل مع مزاجها أيضا وحالتها النفسية. وختم هلالي حديثه بالقول “المرأة التي مرت بظروف قاسية في فترة الحمل، فبعد الولادة يكون جنينها معرضا لأن يكون طفلا عصبيا وذو سلوكات مضطربة، لذا يجب أن تحرص على سلامتها النفسية وأن تتجنب الأشياء التي قد تزيد من حدة قلقها أو توترها، وذلك حفاظا على صحتها هي والجنين”.

هاجر شريد – متدربة

اترك رد