كيف يتجنب الناس الإصابة بفيروس كورونا بعد رفع الحجر الصحي؟

تزامنا مع بداية تخفيف تدابير الحجر الصحي، يطرح العديد من الأشخاص سؤال ملحا: أين نكون أكثر عرضة للإصابة بعدوى فيروس كورونا؟

وحسب الخبراء فإن المخاطر تتغير وتختلف بشكل كبير باختلاف النشاط المصاحب لها، ومن البديهي أن الأشخاص وحتى السلطات تكون عاجزة عن تقييم هذه الأخطار وقياس احتمالية وقوعها بدقة. لكن، وعلى الرغم من عدم وجود وسيلة آمنة للتواصل مع شخص مصاب أو التواجد في بيئات أو أماكن معينة، فإن الأبحاث والدراسات تشير إلى بعض المبادئ العامة التي يجب أخذها بعين الاعتبار.

3 عوامل رئيسية تحدد خطر التعرض للفيروس: المسافة الفاصلة بين الأشخاص؛ ومدة التعرض أو المخالطة؛ ومدى تهوية البيئة التي نتواجد فيها. والخطر الأكبر يكمن في اجتماع هذه العوامل كلها.

“الخطر الأكبر هو أن تكون قريبا من شخص معين في مكان مغلق ولمدة زمنية طويلة نوعا ما” يقول جيريمي روسمان، محاضر أول فخري في علم الفيروسات في جامعة كينت، بريطانيا. ويجب أن نعلم بأن هناك اختلافا بين تصور الخطر من جهة، والخطر العلمي الفعلي من جهة ثانية. “لا أعتقد أنه تم توضيح هذا الأمر بشكل جيد”، يضيف جيريمي روسمان.

الأماكن المغلقة مقابل الأماكن المفتوحة

الأماكن الداخلية أو المغلقة أكثر خطورة بشكل عام من نظيراتها الخارجية أو المفتوحة، حسب ما يقوله الخبراء – وربما أكثر مما تم فهمه على نطاق واسع. “البيئة التي نتواجد بها لها دور كبير” يقول ميوج سيفيك، الطبيب والباحث في علم الفيروسات في جامعة سان أندروز. ويضيف: “لو قمنا بنفس التجمع في مكان مغلق ومكان مفتوح، فإن الأول سيكون أكثر خطرا من الثاني”.

وقد وجدت دراسة يابانية قامت بتتبع مخالطين لـ110 حالات مؤكدة بفيروس “كوفيد-19” أن العدوى انتقلت إليهم بنسبة 12,5 في المائة فقط لأولئك الذين خالطوا الحالات المؤكدة في أماكن مفتوحة. لكن هذه النسبة بلغت 75 في المائة بالنسبة للمخالطين للحالات المؤكدة في أماكن مغلقة.

السبب الرئيسي واضح: فقطرات الجهاز التنفسي التي يُعتقد أنها تحمل الفيروس لديها فرصة أكبر بكثير للتشتت في الخارج بشكل غير ضار، خاصة إذا كانت هناك نسائم هوائية لنقلها بعيدا.

لذلك، بينما يمكن أن يمر بك شخص ما في الشارع على بعد مترين، فالخطر يُعتقد أن يكون منخفضا جدًا؛ لأن وقت التعرض لأي سحب من الفيروسات التي ينتجها ذلك الشخص هو الحد الأدنى.

ولهذا السبب، أيضا، يُنصح بعدم التخوف والقلق من مرور راكبي الدراجات والعدائين بالقرب منك، والذين يتسبب تنفسهم الثقيل بالكثير من الإجفال في الحدائق وعلى الطرقات.

قد يقوم المتمرنون بنفث المزيد من الهواء بقوة أكبر، ولكن سرعة حركتهم تجعل وقت الاتصال أقصر، كما أن لها أيضًا تأثيرا على تشتيت رذاذهم التنفسي على مساحة أكبر. لكن، لا يزال يتعين عليهم محاولة الحفاظ على تباعدهم قدر الإمكان.

التقارب ومدة الاتصال

أظهر تفشي فيروس “كوفيد-19” على نطاق واسع في السفن، بما في ذلك سفن الرحلات السياحية وناقلات الطائرات الأمريكية والفرنسية، قدرة انتقال العدوى أثناء التعرض الوثيق والممتد للفيروس في ظروف ضيقة.

الحد الأدنى من مسافة التباعد الجسدي بين الأشخاص لا يزال موضوع نقاش؛ فبعض الحكومات قامت بخفض توصياتها إلى ما تحت المترين، أو أُجبرت على ذلك لتسهيل عملية عودة الأنشطة الاقتصادية. كما أشارت دراسة نشرت، قبل أسبوع، في مجلة “ذي لانسيت” العلمية إلى أن سياسات التباعد الجسدي لمتر واحد أو أكثر تبدو “مرتبطة بقوة بتأثير وقائي كبير”؛ في حين لا تزال مسافة مترين “أكثر فعالية”.

كما أن الدراسات الأولية حول تتبع الاتصال والمخالطين في الصين وفرنسا تشير إلى أن المحيط الأسري هو أكثر البيئات اليومية عرضة للإصابة بالعدوى، تليها وسائل النقل العام والمطاعم – لكن الأمر يحتاج إلى دراسات أخرى للتأكد من هذا الموضوع.

هذه الدراسات تشير إلى أن العدوى تكون أقل في بيئات كأماكن العمل والمدارس ودور الرعاية الصحية، حيث يميل التقارب بين الأشخاص إلى أن يكون أقل ومدة الاتصال أقصر.

وتلعب التهوية كذلك دورا مهما بطبيعة الحال، فنقص دوران الهواء من الخارج يزيد من خطر التعرض للفيروس.

وبعض الأدلة الأولية تشير إلى أن أنظمة تكييف الهواء قد تلعب دورًا في نشر المرض داخل البيئات المغلقة عن طريق إعادة تدوير الهواء الحامل للفيروس. وإذا صح ذلك، فمن المرجح أن تقلل الأنظمة التي تتم صيانتها جيدا وبشكل دوري والتي تجلب الهواء النقي وتحتوي على فلاتر عالية الجودة من مخاطر نشر العدوى.

الدرس المستفاد هنا: لا تبقى في المحلات، وخصوصا الصغيرة، أو أي مكان مغلق آخر لأكثر مما تحتاجه من الوقت. أما فيما يخص المقاهي أو المطاعم، فيفضل الجلوس خارجا. وإن كان لا بد من الجلوس في الداخل، فمن الأحسن الجلوس بجانب نافذة مفتوحة إن كان ذلك مستطاعا.

أما مكاتب العمل، فتحتاج إلى إعادة تصميمها؛ وذلك بمنع نهج المكاتب الساخنة [أو المكاتب الفندقية، وهي عكس المقاعد أو المكاتب المخصصة. فبدلاً من ذلك، يمكن للأشخاص حجز مكتب عندما يحتاجون إليه فقط وترتكز على تبادلها بشكل دوري أو يومي] وإنشاء حواجز في الأماكن التي يكون التباعد فيها صعبا.

ويقول كيث نيل، الأستاذ الفخري في علم الأوبئة بجامعة نوتنغهام البريطانية، إن الشاشات التي تكون أعلى من مستوى الفم من المحتمل أن تساعد في مكتب مفتوح. لكن “السؤال الأكبر هو: لماذا تكون في مكتب؟” [ويقصد، إمكانية العمل عن بعد].

الكمامات والتدابير الأخرى

العديد من الدول الأوروبية اتبعت نهج نظيراتها الأسيوية بإقرار أهمية ارتداء الكمامة لمنع انتشار الفيروس. ولها دور مهم في البيئات الداخلية أو المغلقة حيث تمنع انتشار قطرات الجهاز التنفسي من فم أو أنف مرتديها.

يقول العلماء إن لا فائدة من ارتداء الكمامة أثناء المشي أو التجول حول المدينة، لأن خطر الإصابة بالعدوى منخفض؛ بل وقد يكون له نتائج عكسية في مدن مثل العاصمة البلجيكية بروكسيل، حيث ارتداء الأقنعة إلزامي في بعض الشوارع دون أخرى، ما يؤدي بالأشخاص إلى نزعها وارتدائها بشكل متكرر ما يزيد من خطر نقل الفيروس إلى أيديهم في كل مرة.

السلطات الصحية عامة لا توصي بارتداء القفازات؛ لكن الخبراء يشيرون إلى ممارستين أخريين مفيدتين تم الحفاظ عليهما منذ الأيام الأولى لانتشار الجائحة: عدم لمس الأسطح المشتركة أكثر مما يجب عليك (في الحافلات والقطارات مثلا)، والتأكد من غسل أو تعقيم اليدين قبل وبعد ذلك إن كان من المستطاع.

التجمعات الجماهيرية

أعطى تزايد الأدلة على أن تفشي الفيروس بسبب التجمعات هي من أهم سمات هذا الوباء، صانعي القرار مهلة مهمة للتفكير. وهذا ما يفسر سبب قيام العديد من السلطات في مختلف الدول بجعل التجمعات الكبيرة كالحفلات الموسيقية والمهرجانات آخر ما سيتم السماح به بعد رفع الحجر الصحي، مع الحرص دائما على التعامل معها بحذر بمجرد السماح لها.

استأنفت بطولة الدوري الألماني “البونديسليغا” أطوارها بدون جمهور، وستليها بطولة الدوري الإنجليزي “البريمرليغ” الأسبوع المقبل. لكن تظاهرات كبرى أخرى، مثل مهرجان جلاستنبري للموسيقى في المملكة المتحدة وكذا احتفال أكتوبر “أكتوبر فيست” بألمانيا وهما من أكبر الأحداث في أوروبا، تم إلغاؤهما.

فقد أشارت تقارير إلى أن الأفراد منفردين لديهم القدرة على نشر العدوى بشكل كبير. ووجدت أبحاث أجريت في هونغ كونغ والصين حول إصابات منفردة أن خمسها كان السبب في إصابة أربعة أخماس إجمالي الحالات الأخرى المرجعية.

تأثير نقل العدوى يظهر بشكل أكبر في الأحداث الجماعية؛ فبعد أداء غنائي لجوقة في ولاية واشنطن لمدة ساعتين ونصف الساعة في مارس الماضي، والتي حضرها شخص مصاب بأعراض الفيروس، طوّر 52 من بين 60 مشاركًا آخرين أعراضا مؤكدة ومحتملة لفيروس “كوفيد-19”.

يقول د. سيفيك من جامعة سان أندروز: “إننا جميعًا نتجَمَّع معًا – هذه طبيعة بشرية”. ويضيف: “وهذا هو أفضل أنواع البيئات التي ينتشر فيها هذا النوع من الفيروسات”.

 

ترجمة: عبد الرحيم تمق-

المقال الاصلي تجدونه في هدا الرابط

https://www.ft.com/content/2418ff87-1d41-41b5-b638-38f5164a2e94

اترك رد